ابن العظم
49
السر المصون ذيل على كشف الظنون
بل شدة العدو فضيلة في الفرس ، وليست فضيلة على الإطلاق . والعلم فضيلة في ذاته وعلى الإطلاق من غير إضافة فإنه وصف كمال الله سبحانه وبه شرف الملائكة والأنبياء ، بل الكيّس من الخيل خير من البليد فهي فضيلة على الإطلاق من غير إضافة . واعلم أن الشيء النفيس المرغوب فيه ينقسم إلى ما يطلب لغيره ، وإلى ما يطلب لذاته . وإلى ما يطلب لذاته ، وإلى ما يطلب لغيره ولذاته جميعا . فما يطلب لذاته : أشرف وأفضل مما يطلب لغيره . والمطلوب لغيره : الدراهم والدنانير فإنهما حجران لا منفعة لهما ، ولولا أن اللّه سبحانه وتعالى يسّر قضاء الحاجات بهما لكانا والحصباء بمثابة واحدة . والذي يطلب لذاته : فالسعادة في الآخرة . والذي يطلب لذاته ولغيره : فكسلامة البدن ، فإن سلامة الرّجل مثلا مطلوبة من حيث أنها سلامة للبدن من الألم ، ومطلوبة للتوصّل بها إلى المآرب والحاجات ، وبهذا الاعتبار إذا نظرنا إلى العلم رأيته لذيذا في نفسه فيكون مطلوبا لذاته . ووجدته وسيلة إلى دار الآخرة وسعادتها ، وذريعة إلى القرب من الله تعالى ولا يتوصّل إليه إلّا به . وأفضل الأشياء رتبة في حق الآدمي السعادة الأبدية ، وأفضل الأشياء ، ما هو وسيلة إليها ، ولن يتوصّل إليها إلا بالعلم والعمل ، ولا يتوصل إلى العمل إلّا بالعلم بكيفية العمل . فأصل السعادة في الدنيا والآخرة هو العلم . فهو إذا أفضل الأعمال ، وكيف لا وقد تعرف فضيلة الشيء أيضا بشرف ثمرته ، وقد عرفت أن ثمرة العلم القرب من رب العالمين والالتحاق بأفق الملائكة « 1 » ومقارنة الملأ الأعلى ، هذا في الآخرة . وأما في الدنيا فالعز والوقار ونفوذ الحكم على الملوك ولزوم الاحترام في الطباع ، حتى أن الأجلاف والأغبياء يصادفون طباعهم مجبولة على التوقير لشيوخهم لاختصاصهم ، بمزيد علم مستفاد من التجربة ، بل البهيمة بطبعها توقّر الإنسان لشعورها بتمييز الإنسان بكمال مجاوز لدرجتها ، هذه وفضيلة العلم مطلقا . ثم تختلف العلوم كما سيأتي بيانه ، وتتفاوت لا محالة فضائلها بتفاوتها . وأما فضيلة التعليم والتعلّم فظاهرة مما ذكرناه فإن العلم إذا كان أفضل الأمور كان تعلّمه طلبا للأفضل ، فكان تعليمه إفادة للأفضل . وبيانه ان مقاصد الخلق مجموعة في الدنيا والدين
--> ( 1 ) كذا في الأصل . وهي الكتابة القرآنية أو ما يسمى بالرسم العثماني حين جمع القرآن في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وقد ثار جدل لم ينته حتى اليوم بين الداعين إلى طبع القرآن وكتابته بالطريقة الإملائية المتبعة اليوم تيسيرا على الناس ، وبين المتمسكين بالابقاء على طريقة الكتابة القديمة لأسباب يرونها وجيهة منها أن رسمه هكذا توقيفي ، انظر ابن خلدون ، المقدمة ، ص 526 / 527 ؛ د . محمد عبد السلام كفافي ، محاضرات في علوم القرآن الكريم ، ص 52 .